في نيو مكسيكو.. ميتا تواجه اختباراً قانونياً غير مسبوق بشأن حماية القاصرين

في نيو مكسيكو.. ميتا تواجه اختباراً قانونياً غير مسبوق بشأن حماية القاصرين
مارك زوكربيرغ

بدأت اليوم الاثنين في مدينة سانتا فيه بولاية نيو مكسيكو واحدة من أكثر المحاكمات حساسية وتأثيرا في تاريخ شركات التكنولوجيا، إذ تمثل عملاق التواصل الاجتماعي شركة ميتا الأمريكية أمام هيئة محلفين في ثاني محاكمة رئيسية لها خلال عام 2026، على خلفية اتهامات خطيرة تتعلق بإلحاق أضرار مباشرة بالأطفال عبر منصاتها الرقمية.

وتواجه الشركة المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب دعوى رفعتها ولاية نيو مكسيكو، تتهمها بالسماح عن علم باستخدام منصاتها من قبل متحرشين لاستغلال الأطفال جنسيا، في قضية تستند إلى تحقيقات صحفية وشهادات رسمية وتقارير داخلية، بحسب ما أوردته صحيفة الغارديان البريطانية.

اتهامات بتصميم منصات غير آمنة

يقول مكتب المدعي العام في نيو مكسيكو إن القضية لا تتعلق بحوادث فردية أو إساءة استخدام عابرة، بل بنمط منهجي ناتج عن خيارات تصميم اتخذتها شركة ميتا وفضلت فيها التفاعل وزيادة الأرباح على حساب سلامة الأطفال، ويؤكد المدعي العام راؤول توريز أن الأدلة ستظهر كيف خلقت منصات الشركة بيئات رقمية محفوفة بالمخاطر، سمحت بانتشار الاستغلال الجنسي والاستدراج والابتزاز الجنسي والاتجار بالبشر.

وتشير لائحة الدعوى إلى أن ميتا فشلت في تطبيق إجراءات حماية فعالة، وسمحت بوجود مجموعات غير خاضعة للرقابة مخصصة للجنس التجاري، إضافة إلى تسهيل تداول مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، سواء عبر الرسائل الخاصة أو من خلال خوارزميات التوصية التي تعزز وصول هذا المحتوى.

دفاع ميتا وتأكيد الالتزام

من جانبها، تنفي ميتا هذه الاتهامات وتؤكد أنها استثمرت لسنوات في تطوير أدوات حماية الأطفال، وقال متحدث باسم الشركة إن المدعي العام يعتمد على وثائق منتقاة بشكل مضلل، مشددا على أن ميتا تركز في دفاعها على إبراز التزامها طويل الأمد بدعم الشباب وحمايتهم.

وأضاف المتحدث أن الشركة أطلقت حسابات مخصصة للمراهقين مزودة بحمايات مدمجة، ومنحت أولياء الأمور أدوات لإدارة تجارب أبنائهم، مؤكدا أن ميتا استمعت على مدى أكثر من عقد لمخاوف العائلات، وتعاونت مع خبراء وجهات إنفاذ القانون، وأجرت أبحاثا معمقة لفهم المخاطر ومعالجتها.

تحقيقات صحفية تعزز الاتهامات

تستند الدعوى جزئيا إلى تحقيق استقصائي أجرته صحيفة الغارديان على مدى عامين ونشرته في عام 2023، كشف عن صعوبات كبيرة تواجهها شركة ميتا في منع استغلال منصاتها في الاتجار بالأطفال، وقد وردت نتائج هذا التحقيق مرارا في ملفات القضية. وفي مقابلة مع الغارديان عام 2024، وصف المدعي العام توريز ميتا بأنها أكبر سوق للمتحرشين بالأطفال على مستوى العالم، في توصيف أثار جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة وخارجها.

إجراءات المحاكمة ومسارها

بعد أسبوع من اختيار هيئة المحلفين، من المقرر أن تبدأ المرافعات الافتتاحية في 9 فبراير، على أن تمتد جلسات الاستماع وتقديم الأدلة نحو 7 أسابيع، ومن المتوقع أن تشهد المحكمة عرض وثائق داخلية ورسائل بريد إلكتروني وشهادات لمسؤولين وخبراء.

وسيشمل الشهود الرئيسيون معلمين ومسؤولي إنفاذ قانون ومبلغين عن مخالفات، قد يكشفون عن نقاشات داخلية داخل الشركة حول سلامة الأطفال، في المقابل، لا يتوقع أن يدلي المراهقون المتضررون أو عائلاتهم بشهاداتهم بشكل مباشر.

المادة 230 على المحك

لطالما استندت شركات التواصل الاجتماعي إلى المادة 230 من قانون آداب الاتصالات الأمريكي، التي توفر حماية واسعة للمنصات من المسؤولية القانونية عن المحتوى الذي ينشئه المستخدمون. غير أن محكمة نيو مكسيكو رفضت في يونيو 2024 محاولات ميتا لإسقاط الدعوى بالاستناد إلى هذه المادة والتعديل الأول للدستور، معتبرة أن القضية تركز على تصميم المنصة وقراراتها الداخلية وليس على حرية التعبير.

ويعد هذا القرار سابقة مهمة، إذ يفتح الباب أمام مساءلة قانونية أوسع لشركات التكنولوجيا عن الأضرار الناتجة عن تصميم منتجاتها.

قضايا متزامنة وضغط متزايد

تأتي محاكمة نيو مكسيكو بعد أسبوع واحد فقط من بدء قضية كبرى في لوس أنجلوس، رفعتها مئات العائلات والمناطق التعليمية ضد ميتا وسناب وتيك توك ويوتيوب، ويتهم المدعون هذه الشركات بتعمد إدمان الأطفال على منصاتها، ما تسبب في الاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء النفس. وتشمل القضية نحو 1600 مدع، بينهم أكثر من 350 عائلة و250 منطقة تعليمية.

وفي حين توصلت سناب وتيك توك إلى تسويات، لا تزال ميتا ويوتيوب تنفيان الاتهامات وتواجهان المحاكمة.

أدلة صادمة ووثائق داخلية

كشف مكتب المدعي العام في نيو مكسيكو عن وثائق داخلية تشير إلى أن ميتا قدرت تعرض نحو 100 ألف طفل يوميا للتحرش الجنسي عبر فيسبوك وإنستغرام، كما تتضمن الأدلة محادثات يظهر فيها مستخدمون يناقشون طرق استدراج القاصرين.

وتشمل القضية أيضا تحقيقا أطلق عليه اسم عملية ميتا فايل، أدى في عام 2024 إلى اعتقال 3 رجال بتهم استغلال أطفال جنسيا بعد تواصلهم مع عملاء سريين تظاهروا بأنهم قاصرون. وبحسب الادعاء، لم تبادر ميتا إلى إغلاق حسابات استهدفت من قبل هؤلاء البالغين، بل أرسلت لها إرشادات حول زيادة المتابعين وتحقيق الربح.

الذكاء الاصطناعي ومخاوف جديدة

تتضمن ملفات القضية مزاعم بأن الرئيس التنفيذي لميتا مارك زوكربيرغ وافق على السماح للقاصرين باستخدام روبوتات دردشة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، رغم تحذيرات داخلية من احتمال انخراط هذه الروبوتات في تفاعلات ذات طابع جنسي، وتظهر مراسلات داخلية أن توصيات فريق السلامة بفرض قيود صارمة لم تؤخذ بعين الاعتبار، وأن الآباء لا يملكون خيار تعطيل هذه الأدوات لأبنائهم.

تأتي هذه المحاكمة في سياق عالمي متصاعد لمساءلة شركات التكنولوجيا عن تأثير منصاتها على الأطفال والمراهقين، ففي السنوات الأخيرة، تصاعدت الأدلة على ارتباط الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بمشكلات نفسية وسلوكية، إلى جانب استغلال القاصرين في شبكات رقمية عابرة للحدود، ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتوسع أدوات التواصل، باتت المخاطر أكثر تعقيدا، ما دفع حكومات وهيئات تنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا إلى إعادة النظر في الأطر القانونية التي تحكم مسؤولية المنصات الرقمية، ويرى مراقبون أن محاكمة ميتا في نيو مكسيكو قد تشكل نقطة تحول تاريخية، لا تمس شركة واحدة فحسب، بل ترسم ملامح مرحلة جديدة في علاقة عمالقة التكنولوجيا بالقانون وبحق الأطفال في بيئة رقمية آمنة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية